أبي الفرج الأصفهاني
57
الأغاني
لي . فقال مزدك : وما هما أيها الملك ؟ قال : تمنّيت أن أملك فأستعمل هذا الرجل الشريف ( يعني المنذر ) وأن أقتل هؤلاء الزنادقة . فقال له مزدك : أو تستطيع أن تقتل / الناس كلَّهم ؟ ! قال : إنك لها هنا يا بن الزانية ! واللَّه ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي منذ قبّلت رجلك إلى يومي هذا ! وأمر به فقتل وصلب ، وأمر بقتل الزنادقة فقتل منهم ما بين جازر [ 1 ] إلى النّهروان إلى المدائن في ضحوة واحدة مائة ألف زنديق وصلبهم ؛ وسمّي يومئذ أنو شروان . وطلب أنو شروان الحارث بن عمرو ؛ فبلغه ذلك وهو بالأنبار ، وكان بها منزله - وإنما سمّيت الأنبار لأنه كان يكون بها أهراء [ 2 ] الطعام وهي الأنابير - فخرج هاربا في هجائنه وماله وولده فمرّ بالثّويّة [ 3 ] ؛ وتبعه المنذر بالخيل من تغلب وبهراء [ 4 ] وإياد ، فلحق بأرض كلب [ 5 ] فنجا ، وانتهبوا ماله وهجائنه . وأخذت بنو تغلب ثمانية وأربعين نفسا من بني آكل المرار ؛ فقدم بهم على المنذر فضرب رقابهم بحفر الأملاك في ديار بني مرينا [ 6 ] العباديّين بين دير هند والكوفة . فذلك قول عمرو بن كلثوم : فآبوا بالنّهاب والسّبايا وأبنا بالملوك مصفّدينا وفيهم يقول امرؤ القيس : ملوك من بني حجر بن عمرو يساقون العشيّة يقتلونا فلو في يوم معركة أصيبوا ولكن في ديار بني مرينا ولم تغسل جماجمهم بغسل [ 7 ] ولكن في الدماء مرمّلينا [ 8 ] تظلّ الطير عاكفة عليهم وتنتزع الحواجب والعيونا / قالوا : ومضى الحارث فأقام بأرض كلب . فكلب يزعمون أنهم قتلوه . وعلماء كندة تزعم أنه خرج إلى الصيد فألظَّ [ 9 ] بتيس من الظَّباء فأعجزه ، فآلى أليّة ألَّا يأكل أوّلا إلا من كبده . فطلبته الخيل ثلاثا فأتي بعد ثالثة وقد هلك جوعا ، فشوي له بطنه ، فتناول فلذة من كبده فأكلها حارّة فمات . وفي ذلك يقول الوليد بن عديّ الكنديّ في أحد بني بجيلة : فشووا فكان شواؤهم خبطا له إن المنيّة لا تجلّ جليلا / وزعم ابن قتيبة أن أهل اليمن يزعمون أن قباذ بن فيروز لم يملَّك الحارث بن عمرو وأن تبّعا الأخير هو الذي
--> [ 1 ] كذا في « معجم البلدان » لياقوت . وجازر : قرية من نواحي النهروان . وفي أ ، م : « جاذر » بالذال المعجمة . وفي سائر الأصول : « حاذر » بالحاء المهملة وهو تحريف . والنهروان : ثلاث ، أعلى وأوسط وأسفل ، وهي كورة واسعة بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي . [ 2 ] كذا في « نسخة الأستاذ الشنقيطي مصححة بقلمه . والأهراء : الأكوام . وفي الأصول : » أهداء الطعام « بالدال وهو تحريف . [ 3 ] الثوية : موضع قريب من الكوفة ، وقيل بالكوفة . [ 4 ] بهراء : قبيلة باليمن . [ 5 ] كذا في أ ، م ، وهو موضع بين قومس والري . وفي سائر الأصول : « أرض كليب » وهو تحريف . [ 6 ] بنو مرينا : قوم من أهل الحيرة . [ 7 ] الغسل : ما يغسل به الرأس من خطمي وطين وأشنان ونحوه . [ 8 ] مرملين : ملطخين . [ 9 ] ألظ به : لزمه وألح عليه ليصطاده .